في بيوتهم آية.

 في بيوتهم آية.

في بيت من بيوت قريتنا الجميلة تسكن عائلة بسيطة مكونة من أب وأم وجدة لأب وأطفال ثلاثة ،ساقتني الظروف أن أدخل هذا البيت المتواضع ،علي الباب تجلس الجدة العجوز ترد السلام مصحوبا بالدعاء ،اقتربت منها وألقيت عليها التحية وقبل أن اسألها عن ولدها (رجل المنزل)نادت الشاي يا ولاد،تعجبت من أمرها وقلت في نفسي إن تلك العجوز تذكرني بالعرب قديما،كانوا يكرمون ضيوفهم دون أن يسالوهم ماذا تريدون ؟!

وإن دل ذلك إنما يدل علي أصالة المعدن وكرم العنصر ،فالكرم لا علاقة له بغنى او فقر ،فمبدئهم في الحياة الجود بالموجود .

المنزل مبني بالطوب اللبن (الني)مسقوف بالبوص والخشب ،جدرانه مطلية بالجير اللبني ،رغم بساطة المنزل وتواضعه تجد نظافة لا مثيل لها ،ترتيب فائق الجمال ،رائحة البيت تذكرني بأيام طفولتي في منزل جدتي رحمها الله.

دخلت الي غرفة المندرة (الصالون اليوم)كنبتان من الخشب مفروشتان ،علي الجدار صورة أبيض في اسود للجد الأكبر تعلو غرته زبيبة صلاة كقرص الشمس وقت الغروب.

الارض مفروشة بحصير واحد بساطة في كل شئ.

جاء الأبن وتجاذابنا أطراف الحديث والابتسامة لا تفارق وجهه،مر الوقت كنسيم الصبح وحانت لحظة مغادرتي للبيت ،فوقفت مستاذنا لكن الرجل حلف باغلظ الإيمان لا بد ان نتناول الغداء معا.

جيئ بالطعام الذي فضحته رائحته الذكية ،طعام بسيط لكنه جميل المذاق والزوق ،فمددت يدي لا أنا أشبع ولا الطعام ينتهي ،وهنا أدركت قيمة البركة فمهما أكلت فالطعام مبارك فيه ،وطال الوقت وودعتهم خارجا ،وآية البيت في ذاكرتي تداعب الطفل في داخلي وتذكرني بأيام القرية الخوالى ،أيام التواضع والعفة أيام البركة والحب.

خرجت والدموع محبوسة بالجفون تحرق مقلة عيني علي ما صرنا إليه وكلما تذكرت الموقف أسأل نفسي أما كان حقيقة أم رحلة للنفس في صفحات الماضي ؟!

لكنها كانت حقيقة في زمن تجملنا فيه من الظاهر وفسدنا فيه من الباطن.

وأدركت أن،،،،،،،،

*قول الشاعر كان صدقا حين قال؛

إن الكرام وان ضاقت معيشتهم ،،،،،،دامت فضيلتهم والأصل غلاب.

لله در أناس أينما ذكروا ،،،،،،، تطيل سيرتهم حتي وإن غابوا .

ولرب مكرمة جمعت شمائلهم،،،، صارت لنا غيثا يسري وينساب. 

*البيوت ليست برخامها واثاثها وزخرفها ؛إنما البيوت بنفوس ساكنيها ان طابت نفوسهم طابت معيشتهم.

*لا علاقة للغنى والفقر بالكرم ،فالكرم (الجود بالموجود عن طيب نفس)

*البركة إذا دخلت بيتا اضائته وإن رحلت عنه اظلمته ولو كانت خزائنه تفيض بالمال.

*سر السعادة في الرضا والحب كما قال الشاعر (واحبب يغدوا الكوخ قصرا نيرا )

*من شب علي شئ شاب عليه ،علموا أبنائكم أن الرضا كنز عظيم لا يدركه إلا المقربون .

*رتبوا بيوتكم من الداخل وجملوها بالأخلاق والود فلا فائدة من واجهات القصور والبيوت من داخلها قبور.


دمتم في رعاية الله وحفظه.


محمود السايس.

٢٨-١٠-٢٠١٩

***********


المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق