نعم الله لا تحصي فتذكروها

 في المدرسة الإبتدائية -وفي حصة اللغة العربية تحديداً- كان من الموضوعات المطلوب كتابتها موضوع عنوانه "نعم الله على الإنسان".

بدأتْ المعلمة في سرد الموضوع وشرحه -كما اعتدنا قبل الكتابة- حتى قالت:"إنه يستحيل علينا أن نُحصي نعم الله". وكعادتي توقفت عند كلمة "يستحيل"، تلك الكلمة التي لا أؤمن بها منذ الصغر ، وأرفض أن أطلقها على أي شئ حتى أُجربّه بنفسي أو تُثبته التجربة -حتى ولو كان الأمر من المسلّمات-.

 لذلك عزمت على المحاولة وقولت في نفسي: "نعم الله كثيرة بالفعل لكن ما المانع من إحصائها؟!".

ذهبتُ إلى المنزل في هذا اليوم بشغف الأطفال فجمعت عدة أوراق كبيرة وقسمتها إلى جداول وعزمت على أن أحصر جميع نعم الله علينا في تلك الجداول!

ظللت وقتا ليس بالقصير أكتب وأفكر وكنت كلما كتبت نعمة ذكرتني بأختها وكلما نظرت حولي تذكرت نعمة أخرى، نعمة البيت والطعام والشراب والصحة...

وجدت نفسي أكتب بلا توقف وكأن النعم لا تنتهي!

ومن الأشياء المضحكة التي أذكرها جيداً أنني كتبت حينذاك من ضمن النعم أن لديّ جهاز كمبيوتر ومن ضمنها أيضا أن جهاز الكمبيوتر به ألعاب جاتا وماريو وكراش...! 

 ومن كثرة التفكير والكتابة شعرت بالملل ووجدت نفسي في دوامة لا أملك الخروج منها، فلم تمر ساعة حتى مَزّقت الأوراق وأقررتُ بما قالت المعلمة وأدركت فيما بعد نص الآية:"وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها".

تلك الآية التي نؤمن بها جميعاً لكن سرعان ما ننساها لمجرد نزول ابتلاء أو زوال نعمة، فننسى الشكر وندمن -بطبعنا البشري- الشكوى.

ولو أمعنّا النظر لوجدنا أن البلاء قطرة فى محيط النعم ولو نظرت حولك لتيقنت أنك أفضل الناس حالاً وأقلهم بلاءً وأكثرهم نعمة، وإن في قصة حكيم الصين لعبرة!

فحينما ذهب إليه الناس يشكو كل واحد منهم أمرَهُ أخذ من كل واحد شكواه وطلب منهم أن يرجعوا إليه بعد أسبوع، وبعد انقضاء المدة وضع جميع الشكاوي في صندوق واحد وأمر كل واحد منهم أن يختار ورقة!

 وبعد أن مدت الأيادي في صندوق واحد وقع في يد كل منهم ورقة غير التي كتبها حينها تذمر الجميع واعترضوا وأصبح لسان كل واحد منهم يقول:"أنا عايز ورقتي" أو كما يقول المثل الشعبي:"اللي يشوف بلاوي الناس تهون عليه بلوته"!

هذا المبدأ الذي لو سرنا عليه ولو شكر كلٌ منه ربَه على "ورقته" دون أن يمد عينيه أو يجحد نعم الله عليه لتبدل الحال وقنع الإنسان وسَعد.

بقلم مهندس /احمد عبده 

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق